عبد الملك الجويني
100
الشامل في أصول الدين
وصار الفريق الثاني إلى القول بقدم الطبائع الأربع ، على ما قدمنا حكاية مذهبهم ، وغرضنا الاعتناء بالرد عليهم ، ولذلك طرق منها أن نقول : أنتم لا تخلون إما أن تثبتوا الطبائع مختصة بالجواهر في الأزل ، وإما أن تثبتوا الطبائع والخواص غير مختصة بالجواهر . فإن أثبتم الطبائع مختصة بالجواهر وحكمتم بقدم الجواهر ، فقد ماثل قولكم قول من سبق من الدهرية ، وسبيل الرد عليكم إيضاح حدث الجواهر بما قدمناه من الدلالة . وإن زعمتم أن الطبائع كانت منفردة بالوجود ، غير مختصة بجواهر قديمة ، كان ذلك باطلا . فإن الخواص لا تخلو من ثلاثة أقسام : إما أن تكون قائمة بأنفسها مضاهية للجواهر في القيام بالنفس ، وإما أن تكون في حكم الأعراض التي لا تقوم بأنفسها ، بل تقوم بجواهر هي أغيارها ، أو تكون في حكم صفات الأنفس . فإن كانت في حكم الجواهر ، فهذا قول بقدم الجواهر وقد سبق من الرد على ذلك ما فيه مقنع . على أن الخصوصية لو قامت بنفسها ، لما قامت بغيرها ، والطبائع بعد الامتزاج وتشكيل العالم ، لا تقوم بنفسها . والذي يوضح ذلك : أن الطبيعة لو كانت في حكم جوهر ، لما خلت عن طبيعة ، فإن كل قائم بنفسه ذو خاصية عندهم . وإن زعموا أن الطبائع في حكم الأعراض ، فينبغي أن لا تقوم بأنفسها لما أوضحناه فيما سبق من استحالة قيام العرض بنفسه . وإن زعموا أن الخواص في حكم صفات الأنفس ، فهذا مقتضى أصلهم ، فيبعد ثبوت الخواص على الانفراد والاستبداد . فإن العرض إذا لم يقم بنفسه ، واستحال تقدير ثبوته دون موصوف به ، فلأن يستحيل تقدير خاصية دون مختص بها أولى ، فإن الخاصية ألزم للذات من العرض . ثم الذي قالوه قرب من جحد الضرورة ، فإن خاصية لا يختص بها مختص لا تعقل ، إذ الخاصية تنبئ عن مختص بها ، ويتناقض القول بإثبات الخاصية مع نفي المختص بها ، إذ الاختصاص لا يتحقق إلا بين مختص ومختص به . والذي يوضح ما قلناه : إنهم أحالوا ثبوت الجواهر دون خواصها ، فلأن يحيلوا ثبوت الجواهر دون المختص بها أولى . وهذا واضح لا خفاء به . ومما نرد به عليهم أن نقول : قد زعمتم أن الطبائع امتزجت ولم تكن ممتزجة ، وهذا تصريح منكم باعتوار النقيضين على الطبائع ، فإنها إذا اتصفت بالامتزاج فقد كانت قبل الامتزاج على خلاف حكم الامتزاج ، وإذا اعتور عليها النقيضان ، دل ذلك على حدثها ، كما